**الســلام عليكـم**

ابحث عن موضوعك في موقعي هنا

ترجمة/Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ قديم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ قديم. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 3 نوفمبر 2014

التجارة في الجزيرة العربية قبل الاسلام



التجارة في الجزيرة العربية
 قبل الاسلام


كانت قِنا في الدرجة الاولى ثم عدن في الدرجة الثانية مكان تجمع التجار والسلع القادمة من الهند والقرن الافريقي وفيها التوابل والحرائر والطيوب ، هما البلدان اللذان يقصدهما التجار القادمون من الشمال يحملون بعض الزخارف والمواد الخام والاقمشة الصوفية والقطنية . وفي الميناءين المذكورين كانت تتبادل سفن اليم وسفن الصحراء احمالها واثقالها .

واول ما يتبادر الى ذهن القارىء هو هذا الجمل الذي كان يحمل التجار والسلع من الشمال الى الجنوب ومن الجنوب الى الشمال . لعل هذا الامر اصبح واقعا منذ اوائل الالف الثاني قبل الميلاد اي نحو سنة 2000 او بهدها بقليل .
ذلك ان الجمل الذي يبدو انه كان يكثر في الصحراء العربية كان القوم يصطادونه للحمه ، ثم دجّنوه حول 2500 ق.م. للسبب ذاته . ولم يكتشفوا انه الحيوان المثالي لاجتياز الصحراء الاحول 2000 ق.م. اما الحيوان الذي دُجّن فبل ذلك ، اي حول سنة 3000 ق.م. او بعدها بقليل فهو الحمار .

كان هذا هو دابة التنقل والسفر وحمل السلع في الجزيرة وخارجها . الفرس لم يصل الى بلادنا الاحوال 1800 ق.م. ولم يستعمل الا للركوب والجندية حتى انتجت من انواع مختلفة منها للركوب – للفرسان – ومنها للحمل مثل البغل والكديش الا حول 1500 ق.م.

         ولان الحمار كان بحاجة الى مرعى وماء في طريقه ولانه لا يمكن ان يبقى بدونهما مدة طويلة ، فقد اقتضى الامر ان لا يبعد عن طريق فيه مرعى وماء . وكانت قوافله تنتقل من جنوب الجزيرة – من اليمن – الى الحجاز ومنها الى الشمال .

         وكانت المدينة واحدة من المراكز المهمة لتبادل السلع ، بحيث يمكن للتجار ان يعودوا الى بلادهم مع دوابهم .

         لكن لما دُجّن الجمل اختلفت القضية اختلافا جذريا" . فالجمل يصبر اياما على الجوع والعطش . فكان من اول ما حدث ان القوافل اصبحت تتجه ، فضلا عن بلاد الشام الى العراق راسا من المدينة . كما امكن نقل السلع من اجزاء من الجزيرة الى اجزاء اخرى .

ولكن من كان يتقبل سلع الجنوب المحلية مثل البجور المستورد ويزود القوافل والتجار سلعا بدلها ؟. كانت القوافل تحمل سلع الجنوب الى دمشق – اقدم مدينة في العالم ! – حيث توزعها هذه على الاسواق الشامية . وكانت القوافل تنقل سلع الجنوب الى غزة في جنوب فلسطين . ومنه هذه المدينة الساحلية كانت السفن تحمل البضائع الى جزر المتوسط القربية مثل كريت .

كما كانت تصل الى صور وهذه كانت لها اسواقها الواسعة في البحر المتوسط- قرطاجة في تونس وسواها . وكانت هذه  المدن تحمل بحراً بعض ما ينتج في الجزر وما عندها من مصنوعات فنية زخرفية او صالحة للاستعمال بحيث تنقلها القوافل من تلك الموانئ الى اسواق الحجاز الرئيسية في المدينة ومنها الى موانئ الجنوب وفي الهند اسواق لذلك كله . فأرض الله واسعة .

هذه الطرق والمواقف الرئيسية الواقعة عليها استمرت تخدم الشرق البعيد والغرب القريب وكانت تتزايد مع الزمن ومع تطلب الناس في المنطقتين لما كان ينتج في الجهات الاخرى. وتفنن الناس في الصناعة وازداد انتاجهم وتوسعت الاسواق على الجانبين وفي الطريق وذلك لتلبية حاجة السكان في المنطقة الواحدة او الاخرى .

وتبدلت الاحوال السياسية ، فبعد ان كانت المنطقة باسرها من جنوب الجزيرة الى شمالها ومن الى الشمال – بلاد الشام والعراق – يحكم اجزاءها ملوك وامراء محليون . قامت دول وتوسعت امبراطورية بابل الثانية ( القرن السادس قبل الميلاد ) كما توسعت دولة فارس وامتد نفوذها فيمتد الى مناطق في الجزيرة في الاجزاء الجنوبية(اليمن وما اليها ). وكانت الامبراطورية الرومانية ، بنت القرن الاول قبل الميلاد ، قد توسعت شرقا وحاولت الاستيلاء على اليمن ( القرن الاول ق.م. ) . ولكنها فشلت  فأكتفت بالسيطرة على مصر . الا ان الدولة البيزنطية , التي قامت في القرن الرابع الميلادي وكانت عاصمتها القسطنطينية ، وهي خليفة روما هذه نجحت بعض الشىء في ان يكون لها نفوذ قوي في غرب شبه الجزيرة تركز في نجران وما حوله .

         من هنا ازدادات المراكز التجارية في الجزيرة العربية اهمية ، واصبح ثمة اربع طرق رئيسية تلتقي في المدينة وأرباضها و توصلها بشرق الجزيرة اولاها الى مناطق الخليج العربي وثانيتها الطريق الى اليمن وثمة الطرق الى الشام وهي الثالثة والطريق الى العراق وهي الرابعة .

         ولما جاء الاسلام وبدأ انتشاره في تلك الجهات زادت اهمية هذه الطرق لانها اصبحت طرق الحجاج

وهكذا فالجزيرة العربية التي كان ينظر اليها دوما كأنها صحراء خالية ، كانت فيها حركات من اقدم الازمنة وكانت تتقدم بتوسع الاسواق الخارجية .
 انها  الجزيرة العربية ذات التاريخ الطويل المتطور مع الزمن .
 








اقرأ المزيد

العراق القديم



العراق القديم

(1)
يعود اهتمام اوروبا بالمشرق الى القرون الوسطى ، وذلك بسبب الحركة التجارية التي نشطت على ايدي البنادقة والجنوبيين وايام الحروب الصليبية . وحتى اكتشاف طريق جنوب افريقيا الى المحيط الهندي لم تقض على الحركة التجارية بين اوروبا والبلاد الشرقية .

         على ان هذا الاهتمام التجاري لم تلبث ان اضيفت اليه نواح سياسية مهمة . ويعود ذلك خاصة في العصور الحديثة الى ظهور ثلاث قوى اوروبية كانت لها في اقطارنا الشرقية اهتمامات ومصالح وهي روسيا وبريطانيا وفرنسا . وزادت هذه الاهتمامات لما اصاب الدولة العثمانية التضعضع السياسي والحربي . فتفتحت العيون على احتمال اقتطاع اجزاء من هذه الدولة.  وقد تم هذا الامر في اوروبا بالذات اولا" ثم في المنطقة الاسيوية ( والافريقية ) في القرنين التاسع عشر والعشرين .

         ومع ان الرحالين والتجار الذين زاروا البلاد الشرقية كتبوا عتها الكثير فقد كانت كتاباتهم،  على وجه العموم لا تعدو الوصف السطحي لاثارها ومعالمها . اذ ان المصادر التي يمكن الاعتماد عليها ،لدراسة بلاد مثل العراق ، كانت شحيحة ولا تتسم ،الا فيما ندر،بأي دقة او معرفة وثيقة .

ويمكن اجمال هذه المصادر فيما يلي(1) كتاب وضعه بيّروس وهو كاهن بابلي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد في تاريخ العراق القديم . وهو في الواقع مجموعة من القصص والاساطير والحكايات . ويقسم فيه تاريخ بابل القديم الى فترتين ، واحدة ما قبل الطوفان وثانية ما بعده . ويروي ان ملوك ما قبل الطوفان كانوا عشرة حكموا (422.000) سنة اما بعد الطوفان فقد حكمت البلاد خمس وعشرون اسره لمدة (36.525) سنة .

         وكان لدى "الباحثين " ما ورد عند كتاب اليونان والرومان ، مثل هيرودتس وبليني وستيرابون، وهو قليل ولا يتناول الازمنة الموغلة في القدم . وكان العهد القديم من الكتاب المقدس يعتبر " التاريخ الصحيح" لتاريخ ارض الرافدين ، بما فيه من اساطير وقصص ترتبط بتاريخ العبرانيين اصلا" . وكانت ثمة اخبار وردت في كتب العرب المبكرة ، ولكن اكثر تلك الاخبار كان المقصود منها تبيان ما كان عليه القوم من ضلال قبل ان يصلهم الهدى .

(2)

كانت اثر الشعوب والدول القديمة ماثلة للعيان ، ولكن كل ما يمكن ان يقال عنها هو وصف ، مع بعض " التحزر " احيانا" ؛ هذا مع الانتباه الى ان الكثير من الابنية الهامة في جنوب البلاد كان قد زالت معالمه لانه كان مبنيا" من اللبن الذي لم محروقا" دوما" ،اما آثار الشمال فقد غلب عليها البناء الحجري ، ومن ثم كانت معالمها اوضح . لكن من اين المعلومات والاخبار .


والمعروف ان الامم القديمة كانت قد تركت نقوشا" وآجرات كتيرة في البلاد . لكن هذه , مع ان الكثير منها جُمع او نُقش ، لم تكن منها فائدة لان رموز الكتابة لم تكن قد حُّلت بعد .

الا ان الامر تبدّل بعض الشيء , لما بدأ الاوربيون ، الذين كانوا اصلا من العاملين في السلك القنصلي ، ينبشون عن هذه الاثار ويدونون ما حصلوا عليه ويصّورونه وينقلون النقوش . وكان اول من ضرب معولا للحفر الاثري في العراق بوتا-“Botta”( سنة1842  في نينوى،   قرب الموصل ، حيث كان مركز عمله كقنصل لفرنسة . ثم انتقل الى شروكين حيث كشف عن قصر سرجون الثاني الاشوري ( 721-705 ق.م.) .لكن الحفر الجدي الاثري بدأ في العراق على يد لايارْدْ (Layard) سنة (1817-1894) القنصل البريطاني في الموصل ، الذي عمل مدة اطول وكان عمله منظماً . فهو الذي كشف عن قصور الاشوريين ووصف الفن الاشوري المعماري في نمرود ونينوى وسواهما .

وجاء بعد ذلك دور لوْفتوس (Loftus) الذي عمل في بابل – في الجزء الجنوبي من ارض الرافدين – فتم على يديه درس وَرْقة ( أوروك القديمة ، والتي يرد اسمها  إرْك ( في الكتاب المقدس ) . فضلا ًً عن ذلك فقد اخرج من الاثار نقوشاً تعود الى ازمنة قديمة ( اتضح فيما بعد انها تعود الى الالف الثاني ق. م.) .

وحضر تايلور (Taylor  ) في اور ( تل ألمقير ) في الجنوب ايضا" .


(3)

وجاء الفرج لما انتهى رولنصن (Rolinson) الى حل رموز الكتابة المسمارية (1856) والواقع ان العمل على ايدي عدد من الباحثين ، لكن رولنصن كان دوره اكبر فهوالذي انتهى العمل على يديه . عندها اصبح في يد الباحثين المصدر الاصلي للتاريخ البابلي كله ، فكان ذلك ايذاناً بالبدء في كتابة تاريخ موثق – الى درجة كبيرة . ذلك ان آلاف الوثائق والنقوش اصبح من الممكن كشف اسرارها .

الا ان اعمال الحفر الاثري لم تتوقف الا بعض الشيء في اواخر القرن التاسع عشر ليعود اليها النشاط  على شكل اوسع بين الحربين العالميتين – الاولى والثانية . ومما هو جدير بالذكر ان ارض الرافدين وقعت تحت الحكم البريطاني ، فكان ايسر على الباحثين ان يحصلوا على الاذن اللازم للعمل .

فقد حفر وولي (Woolley) في اور ( بين 1952 و 1934 ) . وحفر مالوان (Mallowan) مع وولي في أوْرْ اولاً  ثم في قرية صغرة في شمال سورية (الجزء المجاور لشمال العراق ) تسمى تشغار بازار ، بحثا" عن الاصول الزراعية .

وجدير بالذكر انه بعد الحرب العالمية الثانية قام علماء الآثار العراقيون مثل طه باقر ومحمد صقر وسواهما بحفريات كان لها شأن في توضيح امور كثيرة . ولعل عمل طه باقر في الكشف عن اسطورة جلجافش حرية بالذكر على نحو معين .
(4)

وفي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين طرأ على البحث الاثري – التاريخي فكرتان جديدتان ، اخذ علماء الآثار ، بدءاً ببريدوود ( Braidwood ) وزميله هاوْ (Howe ) ، يهتمون بهما : الاول بدء الحياة الزراعية والثاني قيام المدن ونشوء فكرة الدولة : هذا بعد ان كان البحث الاثري يتناول الابنية الضخمة والتجارة ووسعها ومراكزها . وفي سبيل تحقيق فكرة نشوء الزراعة ، مثلا" ، اخذ بريدوود فريقاً فيه علماء الدراسات الارضية ونباتيون وخبراء في قضايا العظم الى منخفضات الزعزوس في العراق حيث عثر الفريق بعد التنقيب هناك على حال لا يقبل الشك يوضح قيام الزراعة وتربية الحيوانات الاليفة في جارمو في الالف السابع ق.م.

اما مالوان الذي حفر في تل ابراشية فيما بعد فقد ثبت له ان هذه القرية كان لها حكومة محلية بين 5000 و4000 سنة ق.م.

وقبل ان نتحدث عن الدول التي اقامتها الشعوب المختلفة في العراق القديم ، نود ان نشير الى الاصل الاسطوري للبلاد . ويتلخص هذا في ان المنطقة بأجمعها كان يغمرها الماء المسمى إبْسُو . وكانت تيامات وزوجها الهة الشر في الفضاء الواسع كما كانت زعامة الهة الخير قد انتهت الى إيا وإّليل . وقد وقعت الحرب بينهما والتي اثارتها هي تيامات . لكنها انكسرت ، وعز عليها ذلك ، واعدت العدة لحرب ثانية كان خصمها في هذه المرة مرْدوخ ، الذي انتصر عليها وشقها قسمين نصب واحداً منهما قبة السماء ، وجعل النصف الاخر الارض .

واكرم مردوخ ، الالهة فبنى لها القصور ، لكنها لم تلبث ان ملّت الحياة الرتيبة . فطلبت من مردوخ ان يخلق لها  من يعبدها – مصليا ومقدما  لها القرابين . فخلق مَرْدوخ الانسان من مزج دم احد الهة الشر كنفو بالتراب . 

وتزايد بنو البشر وكانوا يجمعون قوتعم اليومي من نبات ويقنصون الحيوانات ويصيدون الاسماك . وعملت الالهة الى تعليم الانسان كيف يدجن الماعز والغنم ، وكيف يزرع الشعير والقمح والنخيل وكيف يبني الاخصاص من الطين الصلصالي .

ولم يعجب إّليل(إبليل ) اله الرياح والاعاصير ان يظل اتباعه متفرقين في اماكن سكن متباعدة ، فأختار قطعة من الارض بنى فيها مدينة وجمع اتباعه فيها ، وحملهم على السكنى الدائمة على ان يتنقلوا حولها لاعمالهم . سمى إّليل المدينة " نيبور " ( نفار الحالية ) . واعجب الالهة بعمل إّليل فقلدوه وبنوا مدناً لاتباعهم : إنو أوُرك ( ورقة اووركاء ) وإيا اريدو(بوشهرين)،
وسِنْ سيار ( ابو حبة ) ولارْسا ( سنكرا )، وعشتار ( وكان اسمها الاول إنانا ) كيش .


         وبنيت الهياكل ( الزيغورات ) واماكن للملك الخ .


(5)

         ولننتقل الان الى التاريخ لنضع خلاصة له .

1-      في مجر التاريخ كان شعب يسكن جنوب ارض الرافدين يعرف بالسومريين :    شعب مجهول اصل جنسه لكنه  لم يكن سامياً .

في اواخر الالف السابع ق.م. كان هذا الشعب قد اهتدى الى الزراعة ودجن الحيوان واقام القرى لسكناه حوالي سنة 5500 ق.م. بدأ الشعب يتنقل من القرية والريف الى المدينة . وقد تم ذلك بسرعة . كانت المدن مستقلة في حكومتها واعمالها . وقد تستولي مدينة ما على اخرى ، لكن ذلك لم يكن يدوم طويلا .

وفي اواسط الالف الثالث ق.م. كان ثلاثة ارباع سكان الجنوب يعيشون في مدن واسعة ، اذ ان معدل المسافة كانت حول 40 هكتارا .

يبدو انه في الالف الرابع ق.م. اخترع السومريون الكتابة المسمارية ، وثمة نقوش وآجرات رسمت بهذه الكتابة تعود الى حوالى 3000 ق.م. واقدم نص يعود الى سنة 3100 ق.م.

وكانت لهذه المدن علاقات تجارية مع الشمال والجنوب وخاصة مع عُمان (قفان ) مورد معدن النحاس الاساسي .

  2-استولى الاكدّيون ( الاكاديون ) وهم شعب سامي الاصل على ارض سومر 2310 ق.م. اخذ الاكديون الكتابة السومرية لكنهم منحوا لغتهم السامية للسكان جميعا. واختلط الفريقان ونتج عن ذلك حضارة سومرية –أكّدية .

3-    قامت دولة سامية جديدة في اوائل القرن التاسع عشر ق.م. في المنطقة هي الدولة البابلية واشهر ملوكها حمورابي ( 1792-1750 ) ، بني بابل واتخذها عاصمة له. كانت امبراطورية واسعة ( امتدت الى شمال سورية ) كبيرة النشاط تجارياً وتنطيمياً  فهذا الملك هو صاحب "قانون حمورابي" الذي كان يمثل تطور التشريع منذ ايام السومريين حتى ايامه .

4-    جاء بعد ذلك دور الاشوريين ، الذين كانت دولتهم تقوم في شمال البلاد ، فلما تقووا احتلوا المنطقة بأكملها ووصل حكمهم حتى مصر . وهذه قضى عليها الكلدانيون سنة 612 ق.م. ( واتخذت بابل عاصمة لها لذلك تسمى الدوولة البابلية الجديدة ). وهذه قضى عليها الفرس سنة 539 . وهي الدولة التي ظلت سيدة المنطقة الى ان فتح الاسكندر البلاد سنة 330 ق.م.




(6)


يجدر بنا وقد تناولنا هذه الدول التي قامت في وادي الرافدين ، والتي تم قيام الحضارة الاولى العالمية على ايديها ان نضع خلاصة بسيطة لما تم على يد هذه الشهوب متفردة ومجتمعة وممتزجة ومتبادلة المصالح والمنافع والانجازات .

1-    كانت الحضارة السومرية حضارة مدن ، بما يتبع ذلك من تطور حضاري لا تعرفه الاماكن التي ظلت تسودها حضارة الريف والقرى . ويتضح هذا في هذا الكم الضخم من التقدم في العمران مثل حفر القني لنقل المياه الى ضواحي المدن الكبيرة التي كانت تبعد عن مجرى دجلة والفرات وديالي وقارون والخابور .
فضلاً عن التطور الصناعي والفني الذي تشهد به آثار القوم على المواد الخام من اماكن قاصية – عمان ، وآسيا الضعرى واواسط آسيه .

2-    كانت الحكومة عند السومريين ملكية، وكان الملك يمثل الاله الذي بنى المدينة
( بحسب الرواية السائدة ) . وعمل الملك الاصلي انه يعنى بشؤون القضاء واحقاق العدل ، لكنه لم يكن كاهناً اذ ان هذا المنصب كان له الشخص الموكل به من حيث قيادة المصلين وتقديم القرابين للآلهة . ولم يكن الملك السومري ، الا فيما ندر ، قائداً للجيش . لكن هذا الامر بالذات يبدو انه قد تبدل فيما بعد، لان الملوك كانوا هم قادة الجيوش والحملات العسكرية.

3-    يبدو ان المجتمع السومري لم يعرف الرق ، ولو ان الشعب كان يتقسم الى طبقات
    اجتماعية متفاوتة المكانة والاهمية .
    لكن يبدو من قانون حمورابي انه في ايامه ، وقبل ذلك طبعاً ، كان الامر قد
     تبدل . 
    فالقانون يفرق في العقوبة بين الاحرار والارقاء .


(7)

قولنا ان هذه الحضارة العراقية استمرت حتى الفتح اليوناني سنة 330 ق.م. لا يعني ان التطور الحضاري توقف . انما القصد من ذلك ان مؤثرات حضارية جديدة دخلت المنطقة – يونانية ورومانية – وكانت الاولى اكبر اثرا .

         واخيراً وليس آخراً ، دخل الاسلام المنطقة وقامت الخلافة العباسية (749م) في بغداد ولنقل اجمالاً ان الحضارة الاسلامية في العراق كانت في مقدمة ما قام من حضارة هناك .

         يمكن ان نتصور هذا الكم الكبير من النتاج الحضاري الذي كشفت عنه يد المنقب الاثري.
ومن سوء الحظ فان الكثير من الاثار التي عثر عليها في بدء عهد النبش الاثري قد نقل الى الخارج . ويمكن مشاهدته على سبيل المثال في لندن ( المتحف البريطاني ) وباريس ( في اللوفر)  وفي برلين ( المتحف الشرقي ) وفي كثير من المدن التي ساهم اثريون في الحفر فيها ، فنقلوا ما امكن نقله الى بلادهم .

         ولكن الذي ظل في البلاد اكثر عدداً وكمية ، وقد حفظ هذا حفظاً تاما في المتحف العراقي . ويعود الفضل الاول في انشاء المتحف العراقي في بغداد الى غرترود بل (Gertrude Bell  ) التي كانت مستشارة في دار الاعتماد البريطاني في بغداد . لكن الذي بدأته كان عملاً صغيراً . وقد نقل المتحف بعد ذلك الى مكان اوسع ، وقد زرته سنة 1956 . لكن بعد ذلك اقامت الحكومة العراقية بناءً خاصاً للمتحف الذي كان على نطاق كبير وتنظيم علمي متقن . وقد اتيحت لى زيارته في السبعينات . فكان روعة في الشكل والمحتوى .

         هذا هو الذي نهب في نيسان ( ابريل ) 2003 ، ولست ادري اذا كان بالامكان تحديد الخسارة المادية . اما الخسارة المعنوية والتاريخية فلا احسب انه يمكن تقديرها قبل بعض الوقت .

اقرأ المزيد

السلطة الالهية في الشرق الادنى القديم



السلطة الالهية
في الشرق الادنى القديم
في الالف الرابع قبل الميلاد كان الجزء الجنوبي من ارض الرافدين قد استقرت فيه جماعة اسمها السومريون وفي اواخر الألف الرابع كان قد تم لهذه الجماعة اقامة مدن يبلغ عددها نحو ثلاثين في هذه الرقعة الصغيرة لان الارض خصبة وتنتج الكثير وكانت حاجات الناس نسبيا قليلة.
هذه المدن كانت مستقلة واحدتها عن الاخرى وكان يحكم كل منها ملك. وكانت اتساعاتها مختلفة بين واحدة كبيرة مثل نيبور (نيفار الحديثة) وبين ممالك صغيرة تقع في الجزء الجنوبي الشرقي. وكانت لكل منها الهها.
يروي التاريخ ان هذه الجماعات بنت المدن بإرشاد من الملك وقد يكون هذا صحيحا. ولكن الانسان، قديمه وحديثه، يبحث في الغالب عن قوة اخرى تساعده. والمساعدة جاءت من الاله بمعنى ان الاله كلّف الملك ان يبني المدينة. وكان للاله هيكل كبير في كل مدينة يتوقف حجمه على سعة المدينة واهميتها. هذا كان يُسمى زيغورات. الزيغورات كان مقر الكهنة. والكهنة كانوا يقدّمون الذبائح او يقبلون الذبائح والتقدمات من الشعب المرفوعة الى اله المدينة. هذا الاله هو الذي بنى المدينة واذن فهو الذي يحكمها. لكن لان الاله لا يجب ان يقوم بالحكم مباشرة ويتدخّل في الخصومات والادارة والتنظيمات فقدّ اوكل الامر الى الملك. فالملك كان يمثل الاله في كل مدينة ومن ثم فان الشعب يمكنه ان يقوم بالعمل، ولكنه يتوجب عليه ان يقبل ما يأتيه على انه آت من الاله. وهذه الالهة بالذات، التي كانت ألهة المدن، كانت في الوقت ذاته وفي احيان كثيرة الهة لمظاهر الطبيعة المختلفة: الرياح، الامطار والزوابع والهدوء والشمس والقمر والظلام. كل هذه كان لكل منها اله يتصرّف فيها وقد يحدث ان يكون الاله اله مدينة واله لشيء اخر. فانليل الذي كان اله مدينة نيبور، كان ايضا اله الرياح والعواصف.
ثمة امر في غاية الاهمية بالنسبة لهذه المدن. كانت تقوم بين المدينة الواحدة ومدينة اخرى خصومات. وقد تؤدي هذه الخصومات الى معارك. وقد يكون ثمة نوع من الاحتلال. وفي اثناء الحرب قد يهدّم جيش مهاجم جزءا من اسوار المدينة المهاجمَة. عندئذ يتوجّب على الملك المنتصر ان يعيد بناء هذه الاجزاء التي تهدّمت لان هذا الامر، اذا لم يتم، يعني اعتداءا من الاله المهاجم على الاله المغلوب. وهذا امر لم يكن يُقبل به واذن فهذا يُصلّح ويعاد الى ما كان عليه ارضاء لاله المدينة، لا قياما بالواجب.
من هنا نرى ان كل شيء: بناء المدينة، الحراثة، الزراعة، التجارة، بناء القوارب للاستعمال في نهري دجلة والفرات، المتاجرة مع انحاء اخرى بعيدة مثل جزيرة البحرين، ديلمون القديمة، وحتى ابعد من ذلك في الالف الثالث قبل الميلاد منوط بالملك نيابة عن الاله. وعندنا في واقع الامر وثيقة تعود الى سنة 2225ق.م هي وصلٌ بعث به تاجر من مدينة سومرية الى عميله في ديلمون في البحرين يُنبؤه ان البضاعة وصلت وانه سيحول اثمانها اليه. والثمن لم يكن نقدا، فالنقود لم تكن قد عرفت بعد، ولكنه كان اما بضاعة مماثلة أي سلعا تجارية او قطعا من الذهب او الفضة.
هذا الشعب السومري كان اول شعب في تاريخ البشرية اهتدى الى كتابة. كتابته تسمى الكتابة المسمارية. سميت كذلك لانه ما كان يجب ان يُكْتب كان يحفر على الواح من الطين ثم توضع هذه القطع الطينية في الافران لتيبس وعندئذ تصبح وثيقة صالحة للنقل. وقد كشف الباحثون الاثريون في العراق عن عشرات الالاف من هذه الوثائق. الكتابة التي اخترعها السومريون كانت كتابة مقطعية بمعنى انه لم تكن لها حروف. كانت هناك صور تمثل مقاطع. مقاطع فيها عدد كبير من الاصوات احيانا، لكن القوم عرفوها وقرأوها.
اواخر الالف الثالث قبل الميلاد وفي اوائل الالف الثاني احتل قوم بدوٌ ساميون كانوا قد استقروا الى الغرب من العراق هم الأكاديّون فاحتلوا المنطقة بأكملها. فاصبحت ثمة بلاد سومر وأكّد. هذه المدن تهدم بعضها لكن الحضارة بقيت وآثار العمل استمرت. الا انه حدث تغيران مهمّان هما ان اللغة السومرية اختفت يومها وحلت محلها اللغة الأكّادية التي هي واحدة من اللغات السامية كما ان الأكّاديين الاميين تعلموا الكتابة السومرية، وكانت اللغة الجديدة ايسر على القوم كما يبدو. ومن ذلك الحين أخذت اللغات السامية المختلفة تنتشر في جهة بين النهرين وفي سوى ذلك من بلاد الشام وما جاورهما.
هنا يجب ان نتوقف لنقول ان ما كان عند السومريين من عقيدة دينية لم يتبدل بمجيء الاكاديين. وظل الملك ملكَ المدينة ولو انه كان الان له سلطة اوسع فهو الذي يمثل الاله على الارض ويحكم باسمه. ولكن هذه المرة كان هذا الاله يتحكم في رقعة واسعة من البلاد.
فلما قامت دولة حمورابي، الدولة البابلية الاولى القديمة، والتي كان اكبر ملوكها حمورابي الذي عاش في النصف الاول من الالف الثاني قبل الميلاد واتسعت دولته لانه احتل مناطق خارج هذه المنطقة في الشمال وفي الغرب. حمورابي ينسب اليه قانون حمورابي. والمهم في القانون، فضلا عن نصوصه التي لا مجال للحديث عنها الان، هو تمثال لحمورابي يتناول فيه لوحين حجريين من الاله فيهما هذا القانون الذي عُرف فيما بعد باسم قانون حمورابي. وظل حمورابي يمثّل الاله الذي في السماء لكن هذه المرة كان ممثل واحد لاله السماء هو حمورابي ملك المنطقة بأكملها.
وبعد الدولة البابلية الاولى جاءت الدولة الاشورية. الدولة الاشورية قامت في الجزء الشمالي من العراق في الجزء الجبلي وهو الابرد في العراق، ولم تلبث ان احتلت بقية بلاد الرافدين. لكن هذه الدولة التي يمثلها أشّور ناصر بعل مثلا لم تكتف بان تكون لها سلطة في ارض الرافدين فقد اتجهت غربا وافتتحت بلاد الشام بأكملها ولذلك كانت لها امبراطورية، ولعلها اول امبراطورية في التاريخ. وكان الاله أشّور هو صاحب السلطة والملك كان مهما كانت قوته ونفوذه وادراكه ومعرفته لانه يمثل الاله. هذه القضية مهمة جدا للاحتفاظ بها لحديثنا في المستقبل.
بعد اشور قامت الدولة البابليّة الثانية او الجديدة او الدولة الكلدانيّة كما تسمى. وهذه كان منها نبوخذنصر الامبراطور المشهور. هذه افتتحت المناطق التي كانت تتبع للدولة الاشورية وحكمتها لكن مدتها لم تطل. فقد كانت في الهضاب الشرقية المصاقبة لارض الرافدين جماعة تنمو تدريجيا ويزداد عدد السكان فيها وتريد ان تحتل ارضا خصبة. جربّت قبل ذلك لكن الدول التي كانت في ارض الرافدين كانت قوية فحالت دونها ودون احتلالها. بعد سقوط الدولة الكلدانية او البابلية الثانية كان من اليسير على اهل الهضبة ان ينحدروا الى بقية العراق فيحتلوه ثم يتجهوا غربا فيحتلون بلاد الشام واكثر من ذلك يحتلون وادي النيل. فيقيمون امبراطورية واسعة هي الدولة الاخمينية.
كان سكان هذه الهضبة وهم الفرس يعبدون الهين اله الخير واله الشر ويتمثّل اله الخير بالنور واله الشر بالظلام. ومن هنا كان هذان الالهان المتحكمين في شؤون البلاد والعباد. وكان الامبراطور يمثل هذين الالهين المجتمعين في اله واحد في قوة واحدة.
وانتهى امر هذه الدولة لضعفها اولا ثم بالقضاء عليها على يد الاسكندر المقدوني. لما احتلّ المنطقة باسرها من شرق بلاد اليونان الى الهند بما في ذلك بلاد الشام ووادي النيل. وانشأ اول امبراطورية واسعة في التاريخ، لكنها لم تدم طويلا لان الرجل نفسه مات وهو في شرخ الشباب.
ننتقل الان الى المركز الثاني للحضارة القديمة في العالم وهو وادي النيل. وادي النيل عرفت فيه كتابة تسمى الهيروغليفية. وهي كتابة مقطعية صورية اكثر منها مجرد مقاطع. هذه الكتابة ظهرت بعد كتابة السومريين بنحو نصف قرن.
الفرق الجغرافي الطبيعي بين ارض الرافدين ووادي النيل هو ان ارض الرافدين تعتمد نهرين لكن هذين النهرين يضاف اليهما فيضان في اوقات مختلفة. في وادي النيل كان ثمة نهر واحد هو الذي يجتاز البلاد من الجنوب الى الشمال وله موسم فيضان واحد في السنة. وعليه تتوقف حركة الزراعة واقامة القرى والمدن ونشوء الدويلات الصغيرة او الامارات. لكن لان هذا النهر كان يجب ان يُضبط بعض الشيء ليروي الاراضي لا في اوقات الفيضان فحسب التي تأتي في الخريف ولكن في الاوقات الاخرى. لذلك كان من الضروري ان تكون الوحدة السياسية فيه اكبر مما كانت عليه في ارض الرافدين. فكان ثمة دولتان شمالية وجنوبية. لكن الامر انتهى في اواسط الالف الثالث قبل الميلاد او اواخره الى اتحاد الدولتين فاصبح وادي النيل يحكمه ملك واحد هو الذي كان يسمى الفرعون. الملك هذا كان بالنسبة للسكان لا يمثّل الاله ولكنه يجسّد الاله على الارض. ومن هنا فقد كانت منـزلة الفرعون الملك اكبر واوسع واشد مما كانت عليه سلطة الملوك الصغار او حتى الاباطرة في ارض الرافدين وما جاورها. هذان النموذجان التمثيل الملكي للاله في ارض الرافدين وما اليه وتجسيده في وادي النيل هما الامران اللذان يطبعان التاريخ القديم من نواحي مختلفة.
كان هناك امور كثيرة يجب ان تفسر منها خلق العالم ومنها الطوفانات التي كانت تحدث. من هنا نجد في الاساطير السومرية قصتين مهمتين الواحدة خلق العالم والثاني طوفان نوح. هذان حولهما اساطير. لكن هذه الاساطير المختلفة التي عرفت في ارض الرافدين ايام السومريين لم تسجل الا في ايام الدولة البابلية الاولى في الالف الثاني قبل الميلاد ومن ثم عرفت تاريخيا باسم الاساطير البابلية على اساس زمن التسجيل. وفي مصر كان ثمة اساطير اخرى لكنها من الاصل سجلت باللغة الهيروغليفية. وهذه الاساطير كلها تدور حول مقدرة الالهة واختفاء الالهه وظهور الالهة.
بين ارض الرافدين ووادي النيل تقع بلاد الشام. وبلاد الشام كانت لها مدنها التي ظلت دوما مستقلة واحدتها عن الاخرى الا حين يأتي من يحكمها جميعها من الخارج. وكان لكل دولة، اي لكل مدينة كبيرة وارباضها الهها. انما التأثر بالجهة البابلية كان اوسع مع ان المصريين احتلوا بلاد الشام من اواخر القرن الخامس عشر الى اواسط القرن الثاني عشر احتلالا مستمرا وانشأوا لهم فيها ادارة واسعة. لكن اساطيرهم لم تنتشر في البلاد على النحو الذي انتشرت فيه اساطير بين النهرين. ثمة آثار مصرية عُثر عليها في بلاد الشام. على سبيل المثال. ثمة هيكل مصري اكتشف في مدينة جبيل (بيبلوس) ، لكن هذا لم يكن يتعبد فيه جماعة من اهل جبيل. هذا كان يتعبد فيه التجار الذي كانوا يأتون من مصر بشكل خاص للتجارة بالاخشاب التي كانت تنقل من لبنان الى مصر. هؤلاء التجار كانوا يقضون اوقاتا طويلة فكان لهم هيكل وكانت لهم تماثيلهم. لكن فيما توصل اليه الباحثون حتى الان لم يكن هناك اثر ديني مباشر للمصريين في بلاد الشام.
الاثر الذي جاء عن طريق انتقال اساطير كثيرة فيما بعد ما اورده العبرانييون واعتبروه انه جزء من كتابهم المقدس بدءا باسطورة الخليقة. ودأب يهوه على محاربة الالهة الصغيرة حتى استطاع فيما رأوا ان يصبح الاله الوحيد للعالم. لكن وحدانيته كانت مشوبة بأمرين: انه خص شعبا به هو الشعب العبراني واله العالم لا يمكن ان يخص شعبا به دون الشعوب الاخرى. والامر الاخر ان يَعِد هذا الشعب بأرض تكون له ارض الميعاد هي فلسطين. وهذه نقطة اخرى سوداء في العقيدة اليهودية. ولانها دخلت في الكتاب المقدس في عهده القديم كتاب اليهودية اصبحت جزءا اساسيا من العقيدة اليهودية.
الذي يمكن  ان نصل اليه من هذا العرض المختصر هو ان كل حاكم حكم في المنطقة باشملها من شمال ايران الى جنوب وادي النيل كان يجسّم الها ولم يكن يحكم بنفسه. كان الحكم الهيا فالتسلط الذي كان يفرضه الملك او الامبراطور فرعونا كان او من ملوك بابل كان تسلطا باسم الاله لا تسلطا من جهته. ومن هنا فلم يكن من اليسير ان يثور الشعب على الحاكم لان معنى هذا انهم يثورون على الاله وهذا امر لا يجوز.
في القرن الرابع قبل الميلاد جاء الاسكندر المقدوني بجيشه الذي لم يكن كبيرا ولكنه اضاف اليه بعض المرتزقة في الطريق فافتتح اسيا الصغرى وبلاد الشام ووادي النيل وارض الرافدين وفارس حتى وصل الهند. وكانت هذه كما اشرنا قبلا اول امبراطورية واسعة في التاريخ.
لما وصل الاسكندر الى مصر ذهب الى واحة سِيوَه حيث دخل هيكل الاله أمّون ولما خرج اعلن الكاهن ان الاسكندر هو ابن الاله أمّون. واذن الاسكندر يُعْبَد ولا يحكم فقط. هو اله حل محل الفرعون واكثر قليلا. وبهذه الروح صار يحكم البلاد على انه هو يمثل اعلى سلطة في العالم لانها سلطة استُمِدّت من السماء وقد قُبل الامر لانه لم يكن غريبا على المناطق التي احتلها. لكن امبراطورية الاسكندر الشخصية لم تدم طويلا فقد مات الرجل في شرخ الشباب في بابل. وبعدها تقسمت هذه الامبراطورية الواسعة وملكها اولئك الذين يسمون خلفاء الاسكندر. لكن ظل الحاكم يُنظر اليه على انه اعلى من مجرد رئيس دولة. له هذه السلطة القديمة التي جاءت من السماء.
وهنا يمكن القول انه على هذا الاساس حُكمت مصر فالبطالمة خلفاء الاسكندر اعتبروا كأنهم تتمة لحكم الفراعنة. وسجلت اسماؤهم باعتبار انهم سلالات تابعة للسلالات المصرية القديمة. هكذا اعتبرهم الكهنة وهكذا اعتبرهم الشعب. فقد ظل اذا للسلطان الملك الوهرة، لعله لم يكن له نفس المقام الذي كان للقدماء لكن الفكرة عند الشعب ظلت هي هي: أن هذا السلطان هذا الحاكم يجسد الاله الذي يعبده المصريون.
وفي بلاد الشام اعتبر الاسكندر انه يمثل الالهة. ألَم يقبل به كهنة آمون على انه من نسل آمون (فاذن يقبل به الاخرون.) ولم يكن ثمة صعوبة فالناس معتادون على ان يحكمهم ملك او سلطان هو في الاصل ممثل للاله. وكان الامر اسهل حتى في بين النهرين اسكندر وخلفاء الاسكندر اعتبروا انهم يمثلون الالهة.
ظلت القضية على هذا الامر اعتبار السلطان ممثلا للاله. لما جاءت المسيحية وانتشرت لم يكن لها نظام اداري ولا سلطة ملكية ولم يقبلها الاباطرة ولذلك ظل الامبراطور الروماني، (والذي اسس الامبراطورية هو اغسطس في القرن الاول ق.م.) ظل هو الذي يمثل الاله ثم انتهى الامر ان اصبحت عبادة الامبراطور وروما وتقديم الضحايا لهما الدليل على ان الناس يقبلون بالسلطة. فكأن الاله نزل بعض الشيء وتجسّد في الامبراطور. وظل الامر على هذا المنوال في المنطقة التي حكمها اليونان السلاقسة في سورية والبطالمة في مصر، وكانت تابعة للامبراطورية وظلت تعبد هذا الاله.
فلما ظهرت المسيحية ولم يقبل اتباعها ان يقدموا الذبيحة للاله الامبراطور وروما اضطهدوا اضطهادا كبيرا مرا مؤلما الى ان جاء قسطنطين اول امبراطور بيزنطي 312-337م واعتنق المسيحية فتبدل الامر باعتبار ان قسطنطين هو ملك مسيحي لا يمكن ان يكون ممثلا لهذا الاله الواحد الله، لان الله لا يقبل ان يكون له ممثل. ولكن كان المألوف ان الامبراطور كان هو الكاهن الاكبر للديانة الوثنية فأصبح الكاهن الاكبر للمسيحية. ولبس ثوبه. فكأنه جعل نفسه رأسا للمسيحية من حيث الاشراف عليها. وهنا جاء تفسير جديد. ان هذا الامبراطور يحكم بامر من الله. لا يمثله تماما ولكن في الوقت نفسه لا تكون مخالفته جائزة.
الامبراطور الذي كان الها قبل اعتناق قسطنطين المسيحية لم يظل الها ولكنه ظل له منصب خاص في زاوية من زوايا الدين يستمد منه سلطة خاصة او تكسبه ثوبا خاصا او وضعا خاصا. هذه الحالة استمرت في المنطقة واستمر الحكام مستبدين منفردين متسلطين ولا يمكن ردعهم الا عن طريق الثورة اذا جازت واذا انتصر الشعب قد يقتل الملك واذا انتصر الملك فانه يعاقب الشعب عقوبة شديدة.
الآن نأتي الى الاسلام. ظهر الاسلام في الحجاز. القرآن اوحي به كله في مكة والمدينة. فما الذي كان يميّز في مكة المسلمين عن غيرهم سوى انهم كانوا يؤمنون بالله. هذا الاله القوي القدير المتحكم بشؤون العالم يصرّفها كما يشاء. لكن هذا الامر لم ينجح في مكة ولذلك هاجر النبي الى المدينة. وفي المدينة مع الوقت انشأ ما يمكن ان يسمى حكومة دينية. كان هو رئيسها وكان لم يزل يتقبل الوحي لأنه نبي. وكان هو الذي يفسر الامور في الاحاديث الشريفة.
لما انتقل الرسول (ص) الى الرفيق الاعلى بدأ الخلفاء الراشدون القيام بالامر لم يكن امامهم سوى ان يكون الخليفة هو المتسلط الوحيد يعيّن من يساعده، وكان هناك اية في القرآن الكريم تشير الى الشورى ولكن الشورى شيء يختلف عما يسميه الناس برلمان الان. الشورى ان يستشير الخليفة الحاكم الآمر السلطان من يختار اما افرادا او جماعات. فلما خرج المسلمون اول الامر من المدينة  على ايام علي بن ابي طالب اذ انتقل الى الكوفة فعلى اي اساس يتصرف في السلطة ؟ هو انه مسلم وانه من آل الرسول. فاذن هناك امران جزء من النبوة وجزء من الحكم ولان الحكم كان حكما فرديا فكان كل شيء بيد الخليفة. وجاء الامويون وتولوا السلطة. وكان الخليفة يحكم على انه هو الحاكم بأمر الله.
قيام الدولة العباسية وفي ارض الرافدين وعلى مقربة من الفرس ومتأثرة اصلا بالفرس وآراء الفرس، عندها رأى الخليفة نفسه انه هو الذي يحكم في الارض. فقال الخليفة المنصور "نحن ظل الله على الارض". بذلك ختم ما قد تم في البلد من الالف الرابع قبل الميلاد الى ذلك الوقت لان السلطان الحاكم الملك لمدينة او لرقعة واسعة انما هو يحكم لامر الله باذن الله. فهو ظِل الله على الارض.

اقرأ المزيد
||

أرسل أسئلتك في رسالة الآن هنا

http://abdenour-hadji.blogspot.com/

عنواني على الفايس بوك:

قناتي على اليوتوب

أعلن معنا... إعلانات الآن هنا ...



Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More